قضية للنقاش: أيها الاقتصاديون..هل طرح أوراق مالية حكومية ضرورة للاقتصاد هذه الفترة؟

 

الاقتصاد اليوم:

تعتبر السندات الحكومية أحد الأساليب والطرق التي تلجأ إليها الحكومات لتمويل الكثير من المشاريع التنموية الضخمة التي من الصعب أن تمولها بشكل ذاتي، حيث تلجأ إلى طرح هذه السندات بهدف إيجاد منافذ جيدة لتمويل المشاريع وكخطوة إضافية في تحريك عجلة الاقتصاد.

فالسندات الحكومية وكما هو معروف تمثل أدوات دين تصدرها الحكومات، حيث يقوم المستثمر (الذي يشتري السندات) بإقراض مقدار معين من المال إلى هذه الحكومات مقابل سداد قيمة السندات في تاريخ معين إضافة إلى قيمة الفوائد الدورية المتفق عليها، كما ويُنظر إلى السندات الحكومية عادة على اعتبارها سندات خالية من المخاطر، وذلك بسبب قدرة الحكومة على سداد قيمة السندات بالكثير من الطرق كرفع معدلات الضرائب أو من خلال طباعة أوراق نقدية جديدة لسداد الديون المترتبة عليها.

ولكن كغيرها من أدوات التمويل فإن للسندات الحكومية الكثير من الإيجابيات إلى جانب العديد من السلبيات، وتختلف هذه الإيجابيات والسلبيات من دولة لأخرى ومن تجربة لتجربة. وعندما تقرر أي حكومة باتخاذ قرار إصدار سندات فإنها تعمل على المفاضلة بين المحاسن والمساوئ لتقوم باتخاذ القرار الأصوب وفق المعطيات المتوافرة لديها.

وعلى الرغم من أن أهم استخدامات السندات الحكومية يصب في تمويل المشاريع الحكومية الكبيرة بأموال وطنية من دون اللجوء إلى صناديق النقد الدولية أو مؤسسات التمويل الأجنبية، إلا أن هذا المنهج الوطني في البحث عن مصادر التمويل قد يفقد الكثير من مضامينه عند تمويل مشاريع معينة من دون غيرها، فقد يكون الاقتصاد المحلي بحاجة لتمويل مشاريع محددة من دون غيرها، ويعتبر تمويل مشروع قناة السويس الجديدة خير مثال على ذلك.

إلى جانب ذلك فإن تمويل مشروع بهذه الضخامة من خلال إصدار سندات حكومية سوف يسهم في تكبيد الخزينة العامة للدولة مبالغ كبيرة كفوائد سيتم سدادها للمستثمرين في السندات، فمن المقدر أن تتكبد الحكومة المصرية 36 مليار جنيه مصري كنفقات تمويل للسندات خلال هذه السنوات الخمس -مع العلم أن التكلفة المقدرة لتمويل القناة تبلغ نحو 60 مليار جنيه مصري-، على حين أنه كان بإمكان الحكومة المصرية توفيرها من خلال الاعتماد على تمويل المشروع بإصدار أدوات ملكية عوضاً عن إصدار أدوات دين كالسندات الحكومية.

كذلك الأمر فإن منح معدلات فائدة تبلغ 12% على سندات تمويل قناة السويس تسهم بشكل غير مباشر في الإخلال بتوازن سعر الفائدة السائد في السوق المصرية وخاصةً أن هذا السعر هو أعلى بنحو 2% من أكبر سعر فائدة مقدم من أي بنك من البنوك العاملة في مصر آنذاك.

كما أنه ومع مرور السنوات الخمس أصبح معدل 12% الممنوح من الحكومة على القيمة الإسمية للسندات المصدرة لتمويل مشروع القناة غير مجدٍ ولاسيما مع انخفاض القيمة الحقيقية للجنيه المصري وارتفاع معدلات التضخم، فمدة خمس سنوات فترة ليست بالقصيرة وقد يخسر خلالها المستثمرون العوائد التي سيحققونها بسبب ارتفاع معدلات التضخم الحاصل هذه الفترة وتراجع قيمة الجنيه أمام العملات الأخرى.

اليوم ونحن أمام مرحلة مصيرية من مراحل الاقتصاد السوري والمتمثلة في البدء بإعادة الإعمار فإنه لابد من إعادة النظر في تجارب الآخرين للاستفادة مما وصل إليه غيرنا في هذا المجال، فيمكن الاعتماد على ما قامت به الحكومة الكويتية من طرح سندات حكومية ليتم استثمارها من المصارف المحلية (الحكومية والخاصة) التي لديها سيولة فائضة كبيرة سوف يتم استثمارها في مشاريع تنموية محلية وبالتالي استخدام واستثمار السيولة المعطلة لدى المصارف والتي لم يتم استخدامها لفترة طويلة الأمر الذي سيعود على هذه المصارف بالفائدة التي ستقدمها لهم الحكومة كفوائد على القيمة الإسمية لهذه السندات، كما أنه من الممكن تجنب ما قامت به الحكومة المصرية وذلك بأن يتم منح معدلات فائدة منخفضة على هذه السندات ولاسيما أنها تمثل مشاريع حكومية مخاطرها شبه معدومة.

وبالتالي ففي حال طرح سندات حكومية في سورية خلال الفترة المقبلة سوف تسهم هذه السندات في استثمار السيولة النائمة لدى المصارف وبمعدلات فائدة غير مُرهقة للحكومة، ليتم تمويل الكثير من المشاريع التنموية في الفترة المقبلة بأموال محلية يستفيد من استثمارها الاقتصاد ككل وبتكلفة غير كبيرة على الجهات الحكومية المحلية، الأمر الذي سوف يلعب دوراً في دفع عجلة الاقتصاد ويشجع المصارف المحلية للانطلاق في عمليات التمويل من جديد بعد توقف دام نحو خمس سنوات.

حامد سيف الدين
عضو مؤسس في الجمعية السورية للمحللين الماليين
المصدر: صحيفة "الوطن" المحلية

تعليقات الزوار
  1. تعليقك
  2. أخبرنا قليلاً عن نفسك